يوسف المرعشلي
196
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
التجويد ، والشريف الأستاذ الغالي المنصوري وغيرهم من فحول هذا الميدان . ثم انخرط في سلك طلبة القرويين ، فانكبّ على العلم انكباب المتلهف على الماء الزلال ، فملأ جرابه من العلوم المتداولة في تلك الأزمان ، من نحو ولغة وفقه وتوحيد وأدب وسير وغير ذلك . أخذ عن الشيخ محمد بن التهامي الوزاني ، والشيخ عبد اللّه بن حمدون بناني فرعون ، والشيخ الكامل بن محمد - فتحا - الأمراني الحسني ، والشيخ أحمد بن الخياط الزكاري الحسني ، والشيخ أحمد بن الجيلالي الأمغاري ، والشيخ أحمد بن الطالب ابن سودة ، والشيخ علي بن عبد القادر ابن سودة ، وعمه الشيخ محمد الحفيد بن محمد الشامي ، والشيخ حماد الصنهاجي ، والشيخ محمد - فتحا - بن قاسم القادري الحسني ، والشيخ محمد بن رشيد العراقي الحسيني ، والشيخ محمد بن عبد الواحد الإدريسي الشبيهي الحسني . وجرت له عدة محادثات مع الشيخ المحدث أبي شعيب بن عبد الرحمن الدكالي ، وأجازه إجازة عامة مؤرخة في حادي وعشرين شوال عام سبعة وعشرين وثلاثمائة وألف ، وكذا غيره من الأشياخ . . ولما حصل على ما قدّر له من العلم صار يزاول مهنة التدريس بجامع القرويين وببعض المساجد ، فعيّنه القاضي إذ ذاك من رجال العلم بالطبقة الرابعة حين ظهر علمه واطلاعه ، وذلك زمن السلطان المولى عبد العزيز . ولما اشتهر أمره بين الطلبة وتكاثروا حوله رقّي إلى الثالثة ، ومنها إلى الثانية سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف ، وبقي على ذلك طوال هذه المدة وهو مثال المروءة والعفّة والصيانة . وقد أذن له في مزاولة العدالة زمن السلطان المذكور ، لكنه لم يزاولها مدة حياته كلها ، وزيادة على هذا كله فقد كان ملازما لملوك الوقت في أسفارهم وفي الحفلات والأعراس مرافقا للوزراء والكبراء ملحوظا بعين التجلة والأعظم منذ نشأته . ولما تولى الملك المولى عبد الحفيظ قرّبه إليه وجعله من خاصته ، وعيّنه ساردا للحديث بمجلسه ، فكان يبقيه على السرد نحو نصف ساعة . ولما ظهر للسلطان المذكور طبع بعض الكتب لشرح الحطاب على المختصر والبحر لأبي حيان والأبي والسنوسي وسائر الكتب التي طبعها بالمطابع السلكية والحجرية ، عيّنه للإشراف على تلك المهمة لما جبل عليه من الصدق والأمانة والإخلاص ، فخرج مسافرا إليها ولأداء فريضة الحج صحبة بعض عيال المخزن ، قاصدا في طريقه مصر القاهرة للإشراف على طبع بعض الكتب التي لم يمكن طبعها بالمطابع المولوية . غادر المترجم فاس يوم رابع عيد الفطر سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وألف ، وقام بالمهمة أحسن قيام ، وهو الذي أخرج هذه الكنوز الثمينة للوجود ، وفي هذه الرحلة أدى فريضة الحج ، وقد أرسل معه السلطان المذكور هدايا نقدية كثيرة ، لسلطان الحجاز والشرفاء والعلماء والفقهاء والخطباء ومستخدمي الحرم الشريف وللمغاربة المجاورين هناك ولعموم الفقراء ، وزوّده بظهائر شريفة متعددة للتعريف به والتنويه بقدره وإكرام وفادته ومنزلته عنده ، فخرج الوزراء والعلماء والشرفاء وأرباب المناصب العالية لملاقاته ، وأكرم ملك الحجاز وفادته وزوّده بهدايا تليق بقدره وبقدر مرسله . ولما رجع إلى المغرب عاد إلى التدريس فكان يملي درسا في « مختصر خليل » عند بزوغ الشمس من كل صباح ، ودرسا في « ألفية ابن مالك » على الساعة الحادية عشرة ، ودرسا في تحفة ابن عاصم ، كل ذلك بالقرويين ، ويلقي ببعض المساجد دروسا في السيرة و « بردة المديح » و « همزية البوصيري » ، ويحضر تلك الدروس بعض نجباء الوقت . كان رحمه اللّه يرجع إليه في معضلات الأمور ، ساعيا في كل ما يحصل به نفع الطلبة وعموم الناس ، وعند حلول وقت العصر يقوم واعظا في إحدى زوايا جامع القرويين تاليا اختصار كتاب الحيلة ، فترى الناس يتسابقون إلى مجلسه . وعيّن أخيرا مدرّسا في النظام القروي ، وبقي في وظيفة المذكور إلى أن لفظ نفسه الأخير . وفي أواخر سنة خمسين وثلاثمائة وألف حجّ حجته الثانية وتلقى العلماء وأجازوه ، وفي آخر عمره أقعده المرض بمنزله وألزمه الفراش ، فتجرد لعبادة ربه . قال ابن سودة : أخذت عنه قبل النظام القروي نحو نصف « ألفية ابن مالك » ، وطرفا مهما من « المختصر